سحابة …

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

لابن قيم الجوزية

( التعريف بالكتاب )

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

     الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي جعل جنة الفردوس لعباده المؤمنين نزلا ويسرهم للأعمال الصالحة الموصلة إليها فلم يتخذوا سواها فسلكوا السبيل الموصلة إليها ذللا خلقها لهم قبل أن يخلقهم وأسكنهم إياها قبل أن يوجدهم وحفها بالمكاره وأخرجهم إلى دار الامتحان لنبلوهم أيهم أحسن عملا وجعل ميعاد دخولها يوم القدوم عليه وضرب مدة الحياة الفانية دونه أجلا وأودعهم (( مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر )) وجلاها لهم حتى عاينوها بعين البصيرة التي هي أنفذ من رؤية البصر وبشرهم بما أعد لهم فيها على لسان رسوله فهي خير البشر على لسان خير البشير وكمل لهم البشرى بكونهم خالدين فيها لا يبغون عنها حولا .

    و الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلا وباعث الرسل مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل غذ لم يخلقهم عبثا ولم يتركهم سدى ولو يغفلهم هملا بل خلقهم لأمر عظيم وهيأهم لخطب جسيم وعمر لهم دارين فهذه لمن أجاب الداعي ولم يبغ سوى ربه الكريم بدلا وهذه لمن لم يجب دعوته ولم يرفع بها رأسا ولم يعلق بها أملا .

      والحمد لله الذي رضي من عباده باليسير من العمل وتجاوز لهم عن الكثير من الزلل وأفاض عليهم النعمة وكتب على نفسه الرحمة وضمن الكتاب الذي كتبه أن رحمته سبقت غضبه دعا عباده إلى دار السلام فعمهم بالدعوة حجة منه عليهم وعدلا وخص بالهداية والتوفيق من شاء نعمة ومنه وفضلا فهذا عدله وحكمته وهو العزيز الحكيم وذلك فضله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .

     واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , شهادة عبده وابن عبده وأبن أمته ومن لا غنى به طرفة عين عن فضله ورحمته ولا مطمع له في الفوز بالجنة والنجاة من النار إلا بعفوه ومغفرته واشهد أن محمد عبده ورسوله وأمينة على وحيه وخيرته من خلقه أرسله رحمة للعالمين وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين وحجة على العباد أجمعين بعثه للأيمان مناديا وإلى دار السلام داعيا وللخليقة هاديا ولكتابه تاليا وفي مرضاته ساعيا وبالمعروف آمرا وعن المنكر ناهيا أرسله على حين فترة من الرسل فهدى به إلى أقوم الطرق وأوضح السبل وافترض على العباد طاعته ومحبته وتعزيزه وتوقيره والقيام بحقوقه وسد إلى الجنة جميع الطرق فلم يفتحها لأحد إلا من طريقه فلو أتوا من كل طريق واستفتحوا من كل باب لما فتح لهم حتى يكونوا خلفه من الداخلين وعلى منهاجه وطريقته من السالكين فسبحان من شرح له صدره ووضع عنه وزره ورفع له ذكره وجعل لذلة والصغار على من خالف أمره فدعا الى الله وإلى جنته سرا وجهارا وأذن بذلك بين اظهر الأمة ليلا ونهارا إلى أن طلع فجر الإسلام وأشرقت شمس الإيمان وعلت كلمة الرحمن وبطلت دعوة الشيطان وأضاءت بنور رسالته الأرض بعد ظلماتها وتألفت به القلوب بعد تفرقها وشتاتها فأشرق وجه الدهر حسنا واصبح الظلام ضياء واهتدى كل حيران فلما كمل الله به دينه وأتم به نعمته ونشر به على الخلائق رحمته فبلغ رسالات ربه ونصح عباده وجاهد في الله حق جهاده خيره بين المقام في الدنيا وبين لقائه والقدوم عليه فاختار لقاء ربه محبة له وشوقا إليه فاستأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى والمحل الأرفع الأسنى وقد ترك أمته على الواضحة الغراء والمحجة البيضاء فسلك أصحابه وإتباعه على أثره إلى جنات النعيم وعدل الراغبون عن هديه إلى طرق الجحيم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله وعباده المؤمنون عليه كما وحد الله وعبده وعرفنا به ودعا إليه .

     أما بعد : فإن الله سبحانه وتعالى لم يخلق خلقه عبثا ولم يتركهم سدى بل خلقهم لأمر عظيم وخطب جسيم وعرض على السموات والأرض والجبال فأبين وأشفقن منه إشفاقا ووجلا وقلن ربنا أن أمرتنا فسمعا وطاعة وان خيرتنا فعافيتك نريد لا نبغي بها بدلا وحمله الإنسان على ضعفه وعجزه عن حمله وباء به على ظلمه وجهله فألقى اكثر الناس الحمل عن ظهورهم لشدة مؤنته عليهم وثقله فصحبوا الدنيا صحبة الأنعام السائمة لا ينظرون في معرفة موجدهم وحقه عليهم ولا في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار التي هي طريق ومعبر إلى دار القرار ولا يتفكرون في قلة مقامهم في الدنيا الفانية وسرعة رحيلهم إلى الآخرة الباقية فقد ملكهم باعث الحس وغاب عنهم داعي العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني الباطلة والخدع الكاذبة فخدعهم طول الأمل وران على قلوبهم سوء العمل فهممهم في لذات الدنيا وشهوات النفوس كيف حصلت حصولها ومن أي وجه لاحت أخذوها إذا بدا لهم حظ من الدنيا بآخرتهم طاروا إليه زرافات ووحدانا وإذا عرض لهم عاجل من الدنيا لم يؤثروا عليه ثوابا من الله ولا رضوانا يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون .

     والعجب وكل العجب من غفلة من لحظاته معدودة عليه وكل نفس من أنفاسه لا قيمة له إذا ذهب لم يرجع إليه فمطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى اين يحمل ويسار به اعظم من سير البريد ولا يدري إلى اي الدارين ينقل فإذا نزل به الموت أشتد قلقه لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته وسلف من تفريطه حيث لم يقدم لحياته فإذا خطرت له خطرة عارضة لما خلق له دفعها باعتماده على العفو وقال قد أنبئنا أنه هو الغفور الرحيم وكأنه لم ينبأ أن عذابه هو العذاب الأليم .

فصـل

     ولما علم الموفقون ما خلقوا له وما أريد بإيجادهم رفعوا رؤسهم فإذا علم الجنة قد رفع لهم فشمروا إليه وإذا صراطها المستقيم قد وضح لهم فاستقاموا عليه ورأوا من اعظم الغبن بيع ما لا عين رأت ولا إذن سمعت ولا خطر على قلب بشر في أبدلا يزول ولا ينفذ بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام أو كطيف زار في المنام مشوب بالنغص ممزوج بالغصص إن أضحك قليلا أبكى كثيرا وإن سر يوما احزن شهورا الآمه تزيد على لذاته وأحزانه أضعاف مسراته وله مخاوف وآخره متآلف فيا عجبا من سفيه في صورة حليم ومعتوه في مسلاخ عاقل آثر الحظ الفاني الخسيس على الحظ الباقي النفيس وباع جنة عرضها السموات والأرض بسجن ضيق بين أرباب العاهات والبليات ومساكن طيبة في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار بأعطان ضيقة آخرها الخراب والبوار وأبكارا أعرابا أترابا كأنهن الياقوت والمرجان بقذرات دنسات سيئات الأخلاق مسافحات أو متخذات أخدان وحورا مقصورات في الخيام بخبيثات مسيبات بين الأنام وأنهارا من خمر لذة للشاربين بشراب نجس مذهب للعقل مفسد للدنيا والدين ولذة النظر إلى وجه العزيز الرحيم بالتمتع برؤية الوجه القبيح الذميم وسماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والغناء والألحان والجلوس على منابر اللؤلؤ والياقوت والزبرجد يوم المزيد بالجلوس في مجالس الفسوق مع كل شيطان مريد ونداء المنادي يا أهل الجنة إن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا وتحيوا فلا تموتوا وتقيموا فلا تظعنوا وتشبوا فلا تهرموا بغناء المغنين 

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي

متأخر عنــــه ولا متقـــدم

أجد الملامة في هواك لذيــــــــــــــذة

حبا لذكرك فليلمني اللوم

 

      وإنما يظهر الغبن الفاحش في هذا البيع يوم القيامة وإنما يتبين سفه بائعه يوم الحسرة والندامة , إذا حشر المتقون إلى الرحمن وفدا وسيق المجرمون إلى جهنم وردا , ونادى المنادي على رؤس الأشهاد , ليعلمن أهل الموقف من أولي بالكرم من بين العباد , فلو توهم المتخلف عن هذه الرفقة ما اعد الله لهم من الإكرام , وادخر لهم من الفضل والإنعام , وما أخفى لهم من قرة أعين لم يقع على مثلها بصر , ولا سمعته أذن ولا خطر على قلب بشر , لعلم أي بضاعة أضاع , وأنه لا خير له في حياته وهو معدود من سقط المتاع , وعلم أن القوم قد توسطوا ملكا كبيرا لا تعترية إلافات , ولا يلحقه الزوال , وفازوا بالنعيم المقيم في جوار الكبير المتعال , فهم في روضات الجنة يتقلبون , وعلى أسرتها تحت الحجال يجلسون وعلى الفرش التي بطائنها من إستبرق يتكئون , وبالحور العين يتنعمون , وبأنواع الثمار يتفكهون ( يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعلمون ) , ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وانتم فيها خالدون ) تالله لقد نودي عليها في سوق الكساد فما قلب ولا أستقام إلا أفراد من العباد فواعجبا لها كيف نام طالبها وكيف لم يسمح بمهرها خاطبها وكيف طاب العيش في هذه الدار بعد سماع أخبارها وكيف قر للمشتاق القرار دون معانقة أبكارها وكيف قرت دونها أعين المشتاقين وكيف صبرت عنها أنفس الموقنين وكيف صدفت عنها قلوب أكثر العالمين وبأي شيء تعوضت عنها نفوس المعرضين .

 

( شعر في وصف الجنة )

ومــــا ذاك إلا غيــــرة أن ينالهـــــــــــــا

سوى كفئها والرب بالخلق أعلــــمُ

وإن حجبـــت عنــا بكـــل كريهـــــــــــة

وحفت بما يؤذي النفـــوس ويؤلـــمُ

فللَّه مـــا فـــي حشوهــا مـن مسرةٍ

وأصنـــاف لـــذاتٍ بهـــا يتنعـــــــــــمُ

ولله بــــرد العيــــش بيــــن خيامهـــــا

وروضاتها والثغر في الروض يبســـمُ

ولله واديهـــا الــــذي هـــو موعــد المــ

ـزيد لوفد الحب لو كنت منهـــــــــمُ

بذيالـــــك الـــــوادي يهيــــم صبابــــــة

محب يرى أن الصبابــــة مغنـــــــــمُ

ولله أفـــــراح المحبيــــن عندمــــــــــــا

يخاطبهم من فوقهـــــم ويسلـــــــمُ

ولله أبصـــــار تــــرى الله جهـــــــــــــــرةً

فلا الضيم يغشاها ولا هي تســــأمُ

فيا نظرةً أهـــدت إلــى الوجـه نضــــــرةً

أمن بعدها يسلو المحب المتيــــــمُ

ولله كــم مــن خَـــــــيرَةٍ إن تبسمــــت

أضاء لها نورٌ مــن الفجــر أعظـــــــــمُ

فيا لــذة الأبصــار إن هـــي أقبلــــــــت

ويا لـــذة الأسماع حــــين تكلــــــــمُ

ويا خجلــة الغصـــن الرطيب إذا انثنـت

ويا خجلة الفجرين حــين تبســـــــمُ

فإن كنــت ذا قلــب عليـــلِ بحبهــــــــا

فلم يبق إلا وصلهــا لــك مرهـــــــــمُ

ولا سيمــا فــي لثمهـــا عنـــد صمّهــا

وقد صار منها تحت جيــدك معصــــمُ

تـــراه إذا أبـــدت له حســن وجههـــــــا

يلـــذ بــــه قبــــل الوصــــال وينعــــمُ

تفكــــه منهــــا العيــــن عند اجتلائهـــا

فواكه شتى طلعها ليــــس يعـــــدمُ

عناقيــــد مــن كـــرم وتفـــاح جنــــــــةٍ

ورمان أغصان بــه القلــــب مغـــــرمُ

وللـــورد مـا قـد ألبستــه خدودهـــــــــا

وللخمر ما قــــد ضمه الريق والفـــمُ

تقسم منها الحسن في جمـــع واحــد

فيا عجباً مـــن واحــــد يتقســــــــمُ

لهــا فرق شتى من الحسن أجمعــــت

بجملتهــــــا إن السلـــو محــــــــرمُ

تذكــر بالرحمــــن ضـــن هـــو ناظــــــــر

فينطــــق بالتسبيـــح لا يتلعثــــــمُ

إذا قابلـــت جيــشَ الهمـــوم بوجههـــــا

تولى على أعقابه الجيش يهـــــزمُ

فيــا خاطِــبَ الحسنـــاء إن كنت راغبـــاً

فهذا زمــان المهــر فهو المقـــــــدمُ

ولمـــا جـــرى مــــاءُ الشبــــاب بغصنهــا

تيقن حقاً أنـــه ليـــس يهـــــــــــرمُ

وكــــن مبغضــــاً للخائنــــات لحبهــــــــــا

فتحظى بها من دونهـــــن وتنعــــمُ

وكـــن أيمــــا ممـــن سواهـــا فإنهـــــــــا

لمثلك في جنــــات عــــدن تأيــــمُ

وصــــم يومــــك الأدنــى لعلك في غــــدٍ

تفوز بعيد الفطر والنـــاس صــــــومُ

وأَقــــدم ولا تقنــــع بعيــــشٍ منغــــــــصٍ

فما فاز باللذات من ليس يقـــــــدمُ

وإن ضاقــتِ الدنيـــــا عليـــك بأســــــرها

ولم يك فيها منـــزلٌ لــــك يعلــــــمُ

فحــــي علــــى جنـــــات عدنٍ فإنهـــــــا

منازلنا الأولـى وفيهــــا المخيـــــمُ

ولكننــــا سبــــي العـــدو فهـــــل تـــــرى

نعــود إلــى أوطاننــــا ونسلــــــــمُ

وقــد زعمـــــوا أن الغريــــب إذا نــــــــــأى

وشطــت بــه أوطانـه فهو مغـــــرمُ

وأي اغتــــــراب فـــوق غربتنــــا التـــــــي

لهــــا أضحـــت الأعداءُ فينا تحكـمُ

وحي على السوق الذي فيه يلتقي المـ

ـحبون ذاك السوق للقوم يعلــــمُ

فمــــا شئــــت خـــذ منـــه بلا ثمــنٍ لـــه

فقد أسلف التجار فيه وأسلمُــــوا

وحــــي علــــى يــــوم المزيـــد الذي بــه

زيارة رب العرش فاليوم موســـمُ

وحــــي علــــى وادٍ هنالـــــــك أفيـــــــــحٍ

وتربته من إذفر المســك أعظـــــمُ

منابـــــر مــــن نــــورٍ هنـــــــاك وفضـــــــة

ومن خالص العقيان لا تتقصَّــــــمُ

وكثبــــان مســــكٍ قــد جعلــن مقاعــــداً

لمن دون أصحاب المنابر يعلــــــمُ

فبينـــا همــــو في عيشهم وسرورهــــم

وأرزاقهم تجري عليهم وتقســـــمُ

إذا هــم بنــورٍ ساطــع أشرقـــــت لـــــــه

بأقطارهـــا الجنـــاتُ لا يتوهـــــــمُ

تجلـــى لهـــم رب السموات جهـــــــــرةً

فيضحك فوق العرش ثـــم يكلـــــمُ

ســــلامٌ عليكـــم يسمعون جميعهــــــم

بآذانهــــم تسليمــــه إذ يسلـــــمُ

يقـــول سلونـــي مــا اشتهيتم فكل مـــا

تريدون عنـــدي إننــــي أنا أرحـــمُ

فقالــــوا جميعــــاً نحن نسألـــك الرضــــا

فأنت الذي تولي الجميل وترحــــمُ

فيعطيهـــــم هذا ويشهـــــــد جمعهــــــم

عليــــه تعالـــى الله فالله أكـــــــرمُ

فيـــا بائعــــاً هــــذا ببخــــسٍ معجــــــــل

كأنك لا تدري , بلى سوف تعلــــمُ

فــــإن كنـــت لا تـــدري فتلـــك مصيبــــة

وإن كنت تدري فالمصيبة أعظــــــمُ

 

 

فصـل

وهذا كتاب اجتهدت في جمعه وترتيبه وتفصيله وتبويبه فهو للمحزون سلوة وللمشتاق إلى تلك العرائس جلوة , محرك للقلوب إلى أجل مطلوب , وحاد للنفوس إلى مجاورة الملك القدوس , ممتع لقارئه مشوق للناظر فيه لا يسأمه الجليس , ولا يمله الأنيس , مشتمل من بدائع الفوائد , وفرائد القلائد , على ما لعل المجتهد في الطلب , لا يظفر به فيما سواه من الكتب مع تضمينه لجملة كثيرة من الأحاديث المرفوعات , والآثار الموقوفات , والأسرار المودعة في كثير من الآيات والنكت البديعات , وإيضاح كثير من المشكلات والتنبيه على أصول من الأسماء والصفات .

إذا نظر فيه الناظر زاده أيمانا , وجلى عليه الجنة حتى كأنه يشاهدها عيانا , فهو مثير ساكن العزمــات إلى روضات الجنات وباعــث الهمم العليــات إلى العيــش الهني في تلك الغرفــات ( و سميته حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ) فأنه اسم يطابق مسماه ولفظ يوافق معناه والله يعلم ما قصدت وما بجمعه وتأليفه أردت , فهو عند لسان كل عبد وقلبه , وهو المطلع على نيته وكسبه , وكان جل المقصود منه بشارة أهل السنة بما أعد الله لهم في الجنة , فأنهم المستحقون للبشرى في الحياة الدنيا وفي الأخرة , ونعم الله عليهم باطنة وظاهرة , وهم أولياء الرسول وحزبه , ومن خرج عن سنته فهم اعداؤه وحربه , لا تأخذهم في نصرة سنته ملامة اللوام ولا يتركون ما صح عنه لقول أحد من الانام .

والسنة أجل في صدورهم من أن يقدموا عليها رأيا فقهيا , أو بحثا جدليا , أو خيالا صوفيا , أو تناقضا كلاميا , أو قياسيا فلسفيا , أو حكما سياسيا , فمن قدم عليها شيئا من ذلك فباب الصواب عليه مسدود , وهو عن طريق الرشاد مصدود .

فيا أيها الناظر فيه لك غنمه وعلى مؤلفه غرمه , ولك صفوه وعليه كدره , وهذه بضاعته المزجاة تعرض عليك وبنات أفكاره تزف إليك , فإن صادفت كفؤا كريما لم تعدم منه أمساكا بمعروف أو تسريحا بإحسان , وإن كان غيره فالله المستعان , فما كان من صواب فمن الواحد المنان , وما كان من خطأ فمنى ومن الشيطان , والله برئ منه ورسوله .

وقد قسمت الكتاب سبعين باباً :

  • الباب الأول : في بيان وجود الجنة الان .
  • الباب الثاني : في اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم هل هي جنة الخلد أو جنة في الأرض .
  • الباب الثالث : في سياق حجج من ذهب إلى إنها جنة الخلد .
  • الباب الرابع : في سياق حجج الطائفة التي قالت أنها في الأرض .
  • الباب الخامس : في جواب أرباب هذا القول لمن نازعهم .
  • الباب السادس : في جواب من زعم أنها جنة الخلد عن حجج منازعيهم .
  • الباب السابع : في ذكر شبه من زعم أن الجنة لم تخلق بعد .
  • الباب الثامن : في الجواب عما احتجوا به من الشبه .
  • الباب التاسع : في ذكر عدد ابواب الجنة .
  • الباب العاشر : في ذكر سعة أبوابها .
  • الباب الحادي عشر : في صفة أبوابها .
  • الباب الثاني عشر : في ذكر مسافة ما بين الباب والباب .
  • الباب الثالث عشر : في مكان الجنة وأين هي .
  • الباب الرابع عشر : في مفتاح الجنة .
  • الباب الخامس عشر : في توقيع الجنة ومنشورها الذي يكتب لأهلها .
  • الباب السادس عشر : في بيان توحد طريق الجنة وانه ليس لها إلا طريق واحد .
  • الباب السابع عشر : في درجات الجنة .
  • الباب الثامن عشر : في ذكر أعلى درجاتها وأسم تلك الدرجة .
  • الباب التاسع عشر : في عرض الرب تعالى سلعته على عباده وثمنها الذي طلبه منهم

وعقد التبايع الذي وقع بين المؤمنين وبين ربهم الخ .

  • الباب العشرون : في طلب الجنة أهلها من ربهم وشفاعتها فيهم وطلبهم لها .
  • الباب الحادي والعشرون : في أسماء الجنة ومعانيها واشتقاقها .
  • الباب الثاني والعشرون : في عدد الجنات وأنواعها .
  • الباب الثالث والعشرون : في خلق الرب تعالى لبعضها بيده .
  • الباب الرابع والعشرون : في ذكر بوابيها وخزنتها .
  • الباب الخامس والعشرون : في ذكر أول من يقرع باب الجنة .
  • الباب السادس والعشرون : في ذكر أول الأمم دخولا الجنة .
  • الباب السابع والعشرون : في ذكر السابقين من هذه الأمة إلى الجنة وصفتهم .
  • الباب الثامن والعشرون : في سبق الفقراء الأغنياء إلى الجنة .
  • الباب التاسع والعشرون : في ذكر أصناف أهل الجنة التي ضمنت لهم دون غيرهم .
  • الباب الثلاثون : في أن أكثر أهل الجنة هم أمة محمد .
  • الباب الحادي والثلاثون : في أن النساء في الجنة والنار أكثر من الرجال .
  • الباب الثاني والثلاثون : فيمن يدخل الجنة من هذه الأمة بغير حساب وذكر أوصافهم .
  • الباب الثالث والثلاثون : في ذكر حثيات الرب عز وجل الذين يدخلهم الجنة .
  • الباب الرابع والثلاثون : في ذكر تربة الجنة وطينها وحصبائها ونباتها .
  • الباب الخامس والثلاثون : في ذكر نورها وبياضها .
  • الباب السادس والثلاثون : في ذكر غرفها وقصورها ومقاصيرها وخيامها .
  • الباب السابع والثلاثون : في ذكر معرفتهم بمنازلهم ومساكنهم إذا دخلوا الجنة وإن لم يروها قبل ذلك .
  • الباب الثامن والثلاثون : في كيفية دخولهم الجنة وما يستقبلون به عند دخولها .
  • الباب التاسع والثلاثون : في ذكر صفة أهل الجنة في خلقهم وخلقهم وطولهم ومقادير أسنانهم .
  • الباب الأربعون : في ذكر أعلى أهل الجنة منزلة وأدناهم .
  • الباب الحادي والأربعون : في تحفة أهل الجنة أول ما يدخلونها .
  • الباب الثاني والأربعون : في ذكر ريح الجنة ومن مسيرة كم يوجد .
  • الباب الثالث والأربعون : في الآذان الذي يؤذن به المؤمن فيها .
  • الباب الرابع والأربعون : في أشجار الجنة وبساتينها وظلالها .
  • الباب الخامس والأربعون : في ذكر ثمارها وتعدد أنواعها وصفاتها .
  • الباب السادس والأربعون : في ذكر الزرع في الجنة .
  • الباب السابع والأربعون : في ذكر أنهار الجنة وعيونها وأصنافها ومجراها الذي تجري عليه .
  • الباب الثامن والأربعون : في ذكر طعام أهل الجنة وشرابهم ومصرفه .
  • الباب التاسع والأربعون : في ذكر آنيتهم التي يأكلون ويشربون فيها وأجناسها وصفاتها .
  • الباب الخمسون : في ذكر لباسهم وحليهم ومناديلهم وفرشهم وبسطهم ووسائدهم ونمارقهم وزرابيهم .
  • الباب الحادي والخمسون : في ذكر خيامهم وسررهم وأرائكهم وبشخاناتهم .
  • الباب الثاني والخمسون : في ذكر خدام أهل الجنة وغلمانهم .
  • الباب الثالث والخمسون : في ذكر نساء أهل الجنة وسراريهن وأصنافهن وأوصافهن وحالهن الظاهر والباطن وجمالهن.
  • الباب الرابع والخمسون : في ذكر المادة التي خلق منها الحور العين وذكر صفاتهن ومعرفتهن اليوم بأزواجهن .
  • الباب الخامس والخمسون : في ذكر نكاح أهل الجنة ووطئهم والتذاذهم بذلك ونزاهته عن المذي والمني .
  • الباب السادس والخمسون : في اختلاف الناس هل في الجنة حمل وولادة أم لا وحجة الفريقين .
  • الباب السابع والخمسون : في ذكر سماع الجنة وغناء الحور العين .
  • الباب الثامن والخمسون : في ذكر مطايا أهل الجنة وخيولهم ومراكبهم .
  • الباب التاسع والخمسون : في زيارة أهل الجنة بعضهم بعضا ومذاكرتهم ما كان بينهم في الدنيا .
  • الباب الستون : في ذكر سوق الجنة وما أعد الله فيها لأهلها .
  • الباب الحادي والستون : في زيارة أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى .
  • الباب الثاني والستون : في ذكر السحاب والمطر الذي يصيبهم في الجنة .
  • الباب الثالث والستون : في ذكر ملك الجنة وأن أهلها كلهم ملوك فيها .
  • الباب الرابع والستون : في أن الجنة فوق ما يخطر بالبال أو يدور في الخيال وأن موضع سوط منها خير من الدنيا وما فيها .
  • الباب الخامس والستون : في رؤية أهل الجنة ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم جهرة كما يرى القمر ليلة البدر وتجليه لهم ضاحكا إليهم سبحانه لا إله إلا هو .
  • الباب السادس والستون : في تكليمه سبحانه لأهل الجنة وخطابه لهم ومحاضرته إياهم وسلامه عليهم .
  • الباب السابع والستون : في أبدية الجنة وأنها لا تفنى ولا تبيد .
  • الباب الثامن والستون : في ذكر آخر أهل الجنة دخولا إليها .
  • الباب التاسع والستون : وهو باب جامع فيه فصول منثورة .
  • الباب السبعون : في المستحق لهذه البشارة دون غيره والله سبحانه وتعالى هو المسئول أن يجعله خالصا لوجهه الكريم مدنياً لمؤلفه وقارئه وكاتبه من جنات النعيم وأن يجعله حجة له ولا يجعله حجة عليه , وأن ينفع به من انتهى إليه , إنه خير مسؤول , وأكرم مأمول , وهو حسبنا ونعم الوكيل .

 

… يتبع

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: