سحابة …

 20080213437

 

الباب الأول

في بيان وجود الجنة الآن

     لم يزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون وتابعوهم و أهل السنة والحديث قاطبة وفقهاء الإسلام وأهل التصوف والزهد على اعتقاد ذلك وإثباته مستندين في ذلك إلى نصوص الكتاب والسنة وما علم بالضرورة من أخبار الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم , فإنهم دعوا الأمم إليها , وأخبروا بها إلى أن نبغت نابغة من القدرية والمعتزلة فأنكرت أن تكون مخلوقة الآن , و قالت بل الله ينشئها يوم القيامة , وحملهم على ذلك أصلهم الفاسد الذي وضعوا به شريعة فيما يفعله الله , وأنه ينبغي له أن يفعل كذا ولا ينبغي له أن يفعل كذا , وقاسوه على خلقه في أفعالهم , فهم مشبهة في الأفعال , ودخل التجهم فيهم فصاروا مع ذلك معطلة في الصفات , وقالوا خلق الجنة قبل الجزاء عبث فإنها تصير معطلة مداداً متطاولة ليس فيها سكانها .

     قالوا ومن المعلوم أن ملكاً لو اتخذ داراً وأعد فيها ألوان الأطعمة والآلات والمصالح وعطلها من الناس ولم يمكنهم من دخولها قروناً متطاولة لم يكن ما فعله واقعاً على وجه الحكمة , ووجد العقلاء سبيلاً إلى الاعتراض عليه .!! فحجروا على الرب تعالى بعقولهم الفاسدة , وآرائهم الباطلة !! وشبهوا أفعاله بأفعالهم وردوا من النصوص ما خالف هذه الشريعة الباطلة التي وضعوها للرب أو حرفوها عن مواضعها وضللوا أو بدَّعوا من خالفهم فيها , والتزموا فيها لوازم أضحكوا عليهم فيها العقلاء ولهذا يذكر السلف في عقائدهم أن الجنة والنار مخلوقتان ويذكر من صنف في المقالات أن هذه مقالة أهل السنة والحديث قاطبة لا يختلفون فيها .

     قال : أبو الحسن الأشعري في كتاب مقالات الإسلاميين واختلاف المضلين , : جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يردون من ذلك شيئاً , وأن الله تعالى إله واحد فرد صمد لم يتخذ صاحبة ولا ولداً , وأن محمداً عبده ورسوله , وأن الجنة حق , وأن النار حق , وأن الساعة آتية لا ريب فيها , وأن الله يبعث من في القبور , وأن الله تعالى على عرشه , كما قال : (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ )  [ طه : 5 ] . وأن له يدين بلا كيف كما قال : ( خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ) [ ص : 75 ] وكما قال : ( بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ) [ المائدة : 74 ] . وأن له عينين بلا كيف كما قال : ( تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا ) [ القمر : 14 ] . وأن له وجهاً كما قال : ( وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) [ الرحمن : 27 ] . وأن أسماء الله تعالى لا يقال إنها غير الله كما قالت المعتزلة والخوارج وأقروا أن لله علماً كما قال : ( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ) [ النساء : 166 ] . وكما قال : ( وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ) [ فصلت : 47 ] . و أثبتوا السمع والبصر ولم ينفوا ذلك عن الله كما تعتقد المعتزلة , وأثبتوا لله القوة كما قال : ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) [ فصلت : 15 ] . وقالوا إنه لا يكون في الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله وأن الأشياء تكون بمشيئة الله كما قال تعالى : ( وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) [  الإنسان : 30 ] . وكما قال المسلمون : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .

     وقالوا : إن أحداً لا يستطيع أن يفعل شيئاً قبل أن يفعله أو يكون أحد يقدر أن يخرج عن علم الله أو أن يفعل شيئاً علم الله أنه لا يفعله . وأقروا أنه لا خالق إلا الله تعالى , وأن أفعال العباد يخلقها الله تعالى وأن العباد لا يقدرون أن يخلقوا شيئاً , وأن الله تعالى وفق المؤمنين لطاعته , وخذل الكافرين , ولطف بالمؤمنين , ونظر لهم وأصلحهم وهداهم ولم يلطف بالكافرين ولا أصلحهم ولا هداهم ولو أصلحهم لكانوا صالحين , ولو هداهم لكانوا مهتدين , وأن الله تعالى يقدر أن يصلح الكافرين ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين , ولكنه أراد أن يكونوا كافرين كما علم وخذلهم واضلهم وطبع على قلوبهم , وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره , ويؤمنون بقضاء الله وقدره خيره وشره , حلوه ومره , يؤمنون أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله كما قال .

     ويلجئون أمرهم إلى الله , ويثبتون الحاجة إلى الله في كل وقت والفقر إلى الله في كل حال , ويقولون أن القرآن كلام الله غير مخلوق , والكلام في الوقف واللفظ فمن قال باللفظ أو بالوقف فهو مبتدع عندهم , لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق ولا يقال غير مخلوق , ويقولون إن الله تعالى يرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى ليلة البدر , ويراه المؤمنون ولا يراه الكافرون , لأنهم عن الله تعالى محجوبون .

قال الله تعالى :

( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) [ المطففين : 15 ] . وإن موسى عليه السلام سأل الله سبحانه وتعالى الرؤية في الدنيا , وإن الله تعالى تجلى للجبل فجعله دكاً , فأعلمه بذلك أنه لا يراه في الدنيا بل يراه في الآخرة , ولا يكفرون أحداً من أهل القبلة بذنب يرتكبه كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر , وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر والإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره , وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم , وأن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم . والإسلام هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله كما جاء في الحديث . والإسلام عندهم غير الإيمان , ويقرون بأن الله مقلب القلوب , ويقرون بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنها لأهل الكبائر من أمته , وبعذاب القبر , وأن الحوض حق , والصراط حق , والبعث بعد الموت حق , والمحاسبة من الله لعباده حق , والوقوف بين يدي الله تعالى حق ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص , ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق .

     ويقولون : أسماء الله هي الله تعالى ولا يشهدون على أحد من أهل الكبائر بالنار ولا يحكمون بالجنة لأحد من الموحدين حتى يكون الله تعالى ينزلهم حيث شاء , ويقولون أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم , ويؤمنون بأن الله تعالى يخرج قوماً من الموحدين من النار على ما جاءت به الروايات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , وينكرون الجدال والمراء في الدين والخصومة في القدر والمناظرة فيما يتناظر فيه أهل الجدل ويتنازعون فيه من دينهم بالتسليم للروايات الصحيحة , ولما جاءت به الآثار التي رواها الثقات عدلاً عن عدل حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولا يقولون كيف ولا لم ؟ لأن ذلك بدعة .

     ويقولون : إن الله تعالى لم يأمر بالشر , بل نهى عنه وأمر بالخير , ولم يرض بالشرك وإن كان مريداً له , ويعرفون حق السلف الذي اختارهم الله تعالى لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم , ويأخذون بفضائلهم ويمسكون عما شجر بينهم صغيرهم وكبيرهم , ويقدمون أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علياً رضي الله عنهم ويقرون بأنهم الخلفاء الراشدون المهديون , وأنهم أفضل الناس كلهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم , ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول هل من مستغفر ) ؟

     كما جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى : ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ) [ النساء : 69 ] ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين وأن لا يتبعوا في دينهم ما لم يأذن به الله , ويقرون أن الله تعالى يجيء يوم القيامة كما قال : ( وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ) [ الفجر : 22 ] وأن الله , تعالى يقرب من خلقه كيف شاء كما قال : ( وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ) [ ق : 16 ] .

     ويرون العيدين والجمعة والجماعة خلف كل إمام برٍ أو فاجرٍ , ويثبتون المسح على الخفين سنة ويرونه في الحضر والسفر , ويثبتون فرض الجهاد للمشركين منذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم إلى آخر عصابة تقاتل الدجال .

     وبعد ذلك يرون الدعاء لأئمة المسلمين بالصلاح و أن لا يخرج عليهم بالسيف وأن لا يقاتلوا في الفتنة , ويصدقون بخروج الدجال وأن عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام يقتله , ويؤمنون بمنكر ونكير والمعراج والرؤيا في المنام , وأن الدعاء لموتى المسلمين والصدقة عنهم بعد موتهم تصل إليهم , ويصدقون أن في الدنيا سحرة وأن الساحر كافر كما قال تعالى , وأن السحر كائن موجود في الدنيا ويرون الصلاة على كل من مات من أهل القبلة مؤمنهم وفاجرهم , ويقرون أن الجنة والنار مخلوقتان وأن من مات مات بأجله , وكذلك كل من قتل قتل بأجله , وأن الأرزاق من قبل الله تعالى يرزقها عباده حلالاً كانت أو حراماً , وأن الشيطان يوسوس للإنسان يشككه ويخبطه , وأن الصالحين قد يجوز أن يخصهم الله تعالى بآيات تظهر عليهم , وأن السنة لا تنسخ بالقرآن , وأن الأطفال أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم , وإن شاء فعل بهم ما أرادوا , وإن الله تعالى عالم ما العباد عاملون , وكتب أن ذلك يكون , وأن الأمور بيد الله تعالى .

ويرون الصبر على حكم الله والأخذ بما أمر الله تعالى والانتهاء عَمَّ نهى الله عنه , وإخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين , ويدينون بعبادة الله في العابدين والنصيحة لجماعة المسلمين , واجتناب الكبائر والزنا وقول الزور والمعصية والفخر والكبر والازدراء على الناس والعجب .

     ويرون مجانبة كل داع إلى بدعة , والتشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار والنظر في الفقه مع التواضع والاستكانة وحسن الخلق وبذل المعروف وكف الأذى وترك الغيبة والنميمة والسعاية وتفقد المآكل والمشارب .

     فهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب , وما توفيقنا إلا بالله وهو حسبنا ونعم الوكيل , وبه نستعين وعليه  نتوكل وإليه المصير .

     والمقصود حكايته عن جميع أهل السنة والحديث أن الجنة والنار مخلوقتان وسقنا جملة كلامه ليكون الكتاب مؤسساً على معرفة من يستحق البشارة المذكورة وأن أهل هذه المقالة هم أهلها وبالله التوفيق .

     وقد دل على ذلك من القرآن قوله تعالى : ( وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ) [ النجم : 13 – 15 ] وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم سدرة المنتهى ورأى عندها جنة المأوى .

     كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الإسراء وفي آخره (( ثم انطلق بي جبريل حتى انتهى إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ماهي ؟ قال : ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك )) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة , وإن كان من أهل النار فمن أهل النار , فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله تعالى يوم القيامة )) .

     وفي المسند وصحيح الحاكم وابن حبان وغيرهم من حديث البراء بن عازب قال : (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار – فذكر الحديث بطوله , وفيه , فينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له باباً إلى الجنة , قال : فيأتيه من روحها وطيبها )) وذكر الحديث .

     وفي الصحيحين من حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله , قال فيقولان له أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعداً في الجنة , قال نبي الله صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعاً )) .

     وفي صحيح أبي عوانة الأسفرايني وسنن أبي داود من حديث البراء بن عازب الطويل في قبض الروح (( ثم يفتح له باب من الجنة وباب من النار فيقال هذا كان منزلك لو عصيت الله تعالى أبدلك الله به هذا , فإذا رأى ما في الجنة قال : رب عجل قيام الساعة كيما أرجع إلى أهلي ومالي فيقال أسكن )) .

     وفي مسند البزار وغيره من حديث أبي سعيد قال : شهدنا مع النبي صلى الله عليه وسلم جنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( أيها الناس , إن هذه الأمة تبتلي في قبورها فإذا دفن الإنسان وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق فأقعده فقال : ما تقول في هذا الرجل ؟ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم , فإن كان مؤمناً قال أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله , فيقولون له صدقت ثم يفتح له باب إلى النار فيقولون هذا كان منزلك لو كفرت بربك , فإما إذا آمنت به فهذا منزلك فيفتح له باب إلى الجنة فيريد أن ينهض إلى الجنة فيقولون له اسكن )) وذكر الحديث .

     وفي صحيح مسلم عن عائشة قلت : (( خسفت الشمس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت الحديث إلى أن قالت : ثم قام فخطب الناس فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال : (( إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتموهما فافزعوا إلى الصلاة )) . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم , حتى لقد رأيتني آخذ قطفاً من الجنة حيث رأيتموني أقدم ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت )) .

      وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عبد الله بن عباس قال : (( انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه فقال : إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله . فقالوا : يا رسول الله رأيناك تكعكعت , فقال : إني رأيت الجنة وتناولت عنقوداً ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا , ورأيت النار فلم أر منظراً كايوم قط أفظع , ورأيت أكثر أهلها النساء , قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : بكفرهن قيل : أيكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير ويكفرن الإحسان , لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئاً قالت : ما رأيت منك خيراً قط )) .

     وفي صحيح البخاري عن أسماء بنت أبي بكر عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوف قال : (( قد دنت مني الجنة حتى لو أجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها , ودنت مني النار حتى قلت أي رب وأنا معهم فإذا امرأة حسبت أنه قال تخدشها هرة قلت : ما شأن هذه ؟ قالوا : حبستها حتى ماتت جوعاً ولا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل )) .

     وفي صحيح مسلم من حديث جابر في هذه القصة قال : (( عرض علي كل شيء تولجونه فعرضت علي الجنة حتى تناولت منها قطفاً فقصرت يدي عنه , وعرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها )) وذكر الحديث . وفي صحيح مسلم عنه في هذا الحديث : (( ما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي , هذه لقد جيء بالنار وذلك حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها , وحتى رأيت فيها صاحب المحجن يجر قصبه في النار وكان يسرق الحاج بمحجنه فإذا فطن له قال إنما تعلق بمحجني , وإن غفل عنه ذهب به , وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعاً , ثم جيء بالجنة وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي أن لا أفعل فما من شيء توعدونه إلا قد رأيته في صلاتي )) .

     وفي مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمرو في هذه القصة (( والذي نفس محمد بيده لقد أدنيت الجنة حتى لو بسطت يدي لتعاطيت من قطوفها , ولقد أدنيت النار مني حتى لقد جعلت أتقيها خشية أن تغشاكم )) وذكر الحديث .

     وفي صحيح مسلم من حديث أنس بن مالك قال : (( بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ أقيمت الصلاة فقال : يا أيها الناس إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا ترفعوا رؤوسكم فإني أراكم من أمامي ومن خلفي , وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً , قالوا : وما رأيت يا رسول الله ؟ قال : رأيت الجنة والنار )) وفي الموطأ والسنن من حديث كعب بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( إنما نسمة المؤمن طير يعلق في شجرة الجنة حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة )) وهذا صريح في ذخول الروح الجنة قبل يوم القيامة . ومثله حديث كعب بن مالك أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم (( إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق في ثمرة الجنة أو شجر الجنة )) رواه أهل السنن وصححه الترمذي . وسيأتي في آخر هذا الكتاب في الباب الذي يذكر فيه دخول أرواح المؤمنين الجنة قبل يوم القيامة تمام هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى , وذكر دلالة القرآن على ما دلت عليه السنة من ذلك .

     وفي صحيح مسلم والسنن والمسند من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لما خلق الله تعالى الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال اذهب فانظر إليها و إلى ما أعددت لأهلها فيها فذهب فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها فرجع فقال : وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها , فأمر بالجنة فحفت بالمكاره , فقال فارجع فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها , قال فنظر إليها ثم رجع فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد , قال ثم أرسله إلى النار قال اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها قال فنظر إليها فإذا هي يركب بعضها بعضاً ثم رجع فقال : وعزتك وجلالك لا يدخلها أحد سمع بها , فأمر بها فحفت بالشهوات ثم قال اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها فذهب فنظر إليها فرجع فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها )) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح .

     وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة : (( حجبت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات )) .

     وفي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إختصمت الجنة والنار فقالت الجنة : يا رب ما لها إنما يدخلها ضعفاء الناس وسقطهم , وقالت النار : يا رب ما لها يدخلها الجبارون والمتكبرون فقال : أنت رحمتي أصيب بك من أشاء , وأنت عذابي أصيب بك من أشاء , ولكل واحدة منكما ملؤها )) .

     وفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( اشتكت النار إلى ربها فقالت : يا رب أكل بعضي بعضاً فأذن لها بنفسين نفسٍ في الشتاء ونفس في الصيف )) .

     وروى الليث بن سعد عن معاوية بن صالح عن عبد الملك بن بشير ورفع الحديث قال : (( ما من يوم إلا والجنة والنار يسألان تقول الجنة : يا رب قد طاب ثمري واطردت أنهاري واشتقت إلى أوليائي فعجل إلي بأهلي , وتقول النار : اشتد حري وبعد قعري وعظم جمري فعجل علي بأهلي )) .

     وفي صحيح البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( بينما أنا أسير في الجنة وإذا بنهر في الجنة حافتاه قباب الدر المجوف قال قلت : ما هذا يا جبريل ؟ قال : هذا الكوثر الذي أعطاك ربك , فضرب الملك بيده فإذا طينه المسك الأذفر )) .

     وفي صحيح مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( دخلت الجنة فرأيت فيها قصراً وداراً فقلت لمن هذا ؟ فقيل لرجل من قريش فرجوت أن أكون أنا هو , فقيل : لعمر بن الخطاب فلو لا غيرتك يا أبا حفص لدخلته , قال : فبكى عمر وقال : أو يغار عليك يا رسول الله )) وسيأتي حديث بلال وقال النبي صلى الله عليه وسلم (( ما دخلت الجنة إلا سمعت خشخشتك بين يدي )) وغير ذلك من الأحاديث التي تأتي إن شاء الله تعالى .

     وقال عبد الله بن وهب : أنبأنا معاوية بن صالح عن عيسى بن عاصم عن زر بن حبيش عن أنس بن مالك قال : (( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلاة الصبح ثم مد يده ثم أخرها فلما سلم قيل له : يا رسول الله لقد صنعت في صلاتك شيئاً لم تصنعه في غيرها , قال : إني رأيت الجنة فرأيت فيها دالية قطوفها دانية جبها كالدباء . فأردت أن أتناول منها فأوحي إليها أن استأخري فاستأخرت , ثم رأيت النار فيما بيني وبينكم حتى لقد رأيت ظلي ولكم فأومأت إليكم أن ناستأخروا فأوحي إليَّ أقرهم فإنكم أسلمت وأسلموا وهاجرت وهاجروا وجاهدت وجاهدوا فلم أر لي عليكم فضلاً  إلا بالنبوة )) فإن قيل : فما منعكم عن الاحتجاج على وجودها الآن بقصة آدم ودخوله الجنة وإخراجه منها بأكله من الشجر والاستدلال بها في غاية الظهور ؟ (( قيل )) : الاستدلال بذلك وإن كان عند العامة في غاية الظهور فهو في غاية الغموض لاختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم هل كانت جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة أو كانت جنة في الأرض في شرفها ونحن نذكر من قال بهذا ومن قال بهذا وما احتج به كل فريق على قولهم , وما رد به الفريق الآخر عليهم بحول الله وقوته .

Advertisements

Comments on: "( 2 ) الباب الأول : في بيان وجود الجنة الآن" (2)

  1. السلام عليكم
    أسأل الله العظيم أن يغفر لك ذنوبك وييسر أمرك

    لم أقرأها كلها لكني أشكر هذا الجهد المميز

  2. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
    آمين …
    جزاك الله ..
    دعواتك أخي ليمدني الله بالعون حتى أكمل ما بدأت
    شكرا لمرورك …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: