سحابة …

two

الباب الثاني

========= 

في اختلاف الناس في الجنة

التي أسكنها آدم عليه الصلاة والسلام وأهبط

منها هل هي جنة الخلد أو جنة أخرى غيرها في

موضع عالٍ من الأرض

قال منذر بن سعيد في تفسيره : وأما قوله تعالى لآدم ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) [ الأعراف : 19 ] فقالت طائفة : أسكن الله آدم جنة الخلد التي يدخلها المؤمنون يوم القيامة , وقال آخرون : هي جنة غيرها جعلها الله له وأسكنه إياهها ليست جنة الخلد , قال : وهذا قول تكثر الدلائل الشاهدة له و الموجبة للقول به . وقال أبو الحسن المارودي في تفسيره : واختلف الناس في الجنة التي أسكناها على قولين :

أحدهما : أنها جنة الخلد .

الثاني : أنها جنة أعدها الله تعالى لهما وجعلها دار ابتلاء وليست هي جنة الخلد التي جعلها دار جزاء , ومن قال بهذا اختلفوا فيه على قولين :

أحدهما : أنها في السماء لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن .

الثاني : أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار , وهذا قول ابن بحر , وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام والله أعلم بصواب ذلك , هذا كلامه .

     وقال ابن الخطيب في تفسيره المشهور : واختلفوا في الجنة المذكورة في هذه الآية هل كانت في الأرض أو في السماء ؟ وبتقدير أنها كانت في السماء فهل هي الجنة التي هي دار الثواب وجنة الخلد أو جنة أخرى ؟ فقال أبو القاسم البلخي وأبو مسلم الأصبهاني : هذه الجنة في الأرض وحملا الإهباط على الانتقال من بقعة إلى بقعة كما في قول : (  اهْبِطُوا مِصْرًا ) [ البقرة : 61 ] واحتجا عليه بوجوه .

القول الثاني : وهو قول الجبائي أن تلك الجنة كانت في السماء السابعة .

القول الثالث : وهو قول جمهور أصحابنا أن هذه الجنة هي دار الثواب .

     وقال أبو القاسم الراغب في تفسيره : واختلف في الجنة التي أسكنها آدم فقال بعض المتكلمين : كان بستاناً جعله الله تعالى له امتحاناً ولم تكن جنة المأوى وذكر بعض  الاستدلال على القولين . وممن ذكر الخلاف أيضاً أبو عيسى الرماني في تفسيره : واختار أنها جنة الخلد ثم قال : والمذهب الذي اخترناه قول الحسن وعمرو وواصل وأكثر أصحابنا وهو قول أبي علي وشيخنا أبي بكر وعليه أهل التفسير واختار ابن الخطيب التوقف في المسألة وجعله قولاً رابعاً فقال :

والقول الرابع : أن الكل ممكن والأدلة متعارضة فوجب التوقف وترك القطع .

     قل منذر بن سعيد : و القول بأنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد قول أبي حنيفة و أصحابه قال : وقد رأيت أقواماً نهضوا لمخالفتنا في جنة آدم عليه السلام بتصويب مذهبهم من غير حجة إلا الدعاوي والأماني ما أتوا بحجة من كتاب ولا سنة ولا أثر عن صاحب ولا تابع ولا تابع التابع ولا موصولاً ولا شاذاً مشهوراً .

     وقد أوجدناهم أن فقيه العراق ومن قال بقوله قالوا : (( إن جنة آدم ليست جنة الخلد وهذه الدواوين مشحونة من علومهم ليسوا عند أحد من الشاذين بل بين رؤساء المخالفين , وإنما قلت هذا ليعلم أني لا أنصر مذهب أبي حنيفة وأنما أنصر ما قام لي عليه الدليل من القرآن والسنة هذا ابن زيد المالكي يقول في تفسيره : سألت ابن نافع  عن الجنة أمخلوفة هي ؟ فقال : السكوت عن الكلام في هذا أفضل , وهذا ابن عيينة يقول في قوله عز وجل : ( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ ) [ طه : 118 ] قال يعني في الأرض وابن نافع إمام وابن عيينة إمام وهو لا يأتوننا بمثلها ولا من يضاد قوله قولهما .

     وهذا ابن قتيبة ذكر في كتاب المعارف بعد ذكره خلق الله لآدم وزوجه قال : ثم تركهما وقال أثمروا وأكثروا وأملأُوا الأرض وتسلطوا على أنوان البحور وطير السماء والأنعام وعشب الأرض وشجرها وثمرها فأخبر أن في الأرض خلقه وفيها أمره ثم قال : ونصب الفردوس فانقسم على أربعة أنهار سيحون وجيحون ودجلة والفرات .

     ثم ذكر الحية فقال : وكانت أعظم دواب البر فقالت للمرأة إنكما لا تموتان إن أكلتما من هذه الشجرة , ثم قال بعد كلام ثم أخرجه من مشرق جنة عدن إلى الأرض التي منها أخذ ثم قال : قال وهب وكان مهبطه حين أهبط من جنة عدن في شرقي أرض الهند قال : واحتمل قابيل أخاه حتى أتى به وادياً من أودية اليمن في شرقي عدن فكمن فيه . وقال غيره فيما نقل أبو صالح عن ابن عباس في قوله : (( اهبطوا )) هو كما يقال هبط فلان أرض كذا وكذا . قال منذر بن سعيد : فهذا وهب بن منبه يحكي أن آدم عليه السلام خلق في الأرض وفيها سكن وفيها نصب له الفردوس وأنه كان بعدن وأن أربعة أنهار انقسمت من ذلك النهر الذي كان يسمى فردوس آدم وتلك الأنهار بقيت في الأرض لا اختلاف بين المسلمين في ذلك فاعتبروا يا أولي الألباب وأخبر أن الحية التي كلمت آدم كانت من أعم دواب البر ولم يقل من أعظم دواب السماء فهم يقولون إن الجنة لم تكن في الأرض وإنما كانت فوق السماء السابعة . ثم قال : وأخرجه من مشرق جنة عدن وليس في جنة المأوى مشرق ولا مغرب لأنه لا شمس فيها ثم قال : وأخرجه إلى الأرض التي أخذ منها يعني أخرجه من الفردوس الذي نصب له في عدن في شرقي أرض الهند .

     وهذه الأخبار التي حكى ابن قتيبة إنما تنبىء عن أرض اليمن وعن عدن وهي من أرض اليمن , وأخبر أن الله نصب الفردوس لآدم عليه الصلاة والسلام بعدن ثم أكد ذلك بأن قال الأربعة الأنهار التي ذكرناها منقسمة عن النهر الذي كان يسمى فردوس آدم . قال منذر وقال ابن قتيبة عن ابن منبه عن أبي هريرة قال : واشتهى آدم عند موته قطفاً من الجنة التي كان فيها بزعمهم على ظهر السماء السابعة وهو في الأرض فخرج أولاده يطلبون ذلك له حتى بلغتهم الملائكة موته فأولاد آدم كانوا مجانين عندكم إن كان ما نقله ابن قتيبة حقاً يطلبون لأبيهم ثمر جنة الخلد في الأرض  . قال : ونحن لم نقل غير ما قال هؤلاء , ولو كانت جنة الخلد لخلد فيها ونحن استدللنا من القرآن وغيرنا قطع وادعى بما ليس له عليه برهان . فهذا ذكر بعض أقوال من حكى الخلاف في هذه المسألة ونحن نسوق حجج الفريقين إن شاء الله تعالى ونبين مالهم وما عليهم .

Advertisements

Comments on: "( 3 ) الباب الثاني : في اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم" (3)

  1. معلومات قيمه ومثريه لكِ الشكر على طرحها هنا
    نسال الله الجنه لنا ولك ولجميع المسلمين
    دمتي بخير ..ولكِ الجنه

  2. دفىء كلماتك يعانقه شكري العميق
    بعمق عراقة قلمك وجمال بوحك ..
    بورك فيك .

  3. اللهَم ارزقنا جنتك وكل عمل يقربنا لجنتك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: