سحابة …

20080218448 

الباب الثالث

=============

في سياق حجج من اختار أنها

جنة الخلد التي يدخلها الناس يوم القيامة

 

قالوا : قولنا هذا هو الذي فطر الله عليه الناس صغيرهم وكبيرهم لم يخطر بقلوبهم سواه وأكثرهم لا يعلم في ذلك نزاعاً , قالوا : وقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك عن أبي حازم عن أبي هريرة وأبي مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( يجمع الله تعالى الناس فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة فيأتون آدم عليه السلام فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم )) ؟

وذكر الحديث قالوا : وهذا يدل على أن الجنة التي أخرج منها هي بعينها التي يطلب منه أن يستفتحها .

     وفي الصحيحين حديث احتجاج آدم وموسى وقول موسى أخرجتنا ونفسك من الجنة ولو كانت في الأرض فهم قد خرجوا من بساتين فلم يخرجوا من الجنة , وكذلك قول آدم للمؤمنين يوم القيامة (( وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم )) وخطيئته لم تخرجهم من جنات الدنيا . قالوا : وقد قال تعالى في سورة البقرة : ( وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) ) [ البقرة : 35 – 36 ] فهذا يدل على أن هبوطهم كان من الجنة إلى الأرض من وجهين :

أحدهما : من لفظة اهبطوا فإنه نزول من علو إلى سفل .

والثاني : قوله : (( ولكم في الأرض مستقر )) عقب قوله : (( اهبطوا )) فدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض , ثم أكد هذا بقوله في سورة الأعراف : ( قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ) [ الأعراف : 25 ] ولو كانت الجنة في الأرض لكانت حياتهم فيها قبل الإخراج وبعده .

     قالوا : وقد وصف سبحانه  جنة آدم بصفات لا تكون إلا في جنة الخلد فقال : ( إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ ) [ طه : 118 – 119  ] وهذا لا يكون في الدنيا أصلاً فإن الرجل ولو كان في أطيب منازلها لا بد أن يعرض له شيء من ذلك , وقابل سبحانه بين الجوع والظمأ والعري والضحى فإن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر و الظمأ حر الباطن والضحى حر الظاهر فنفى عن سكانها ذل الظاهر والباطن وحر الظاهر والباطن وذلك أحسن من المقابلة بين الجوع والعطش والعري والضحى وهذا شأن ساكن جنة الخلد . قالوا : وأيضاً فلو كانت تلك الجنة في الدنيا لعلم آدم كذب إبليس في قوله : ( هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ ) [ طه :120 ] فإن آدم كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية وأن ملكها يبلى .

     قالوا : وأيضاً هذه القصة في سورة البقرة ظاهرة جداً في أن الجنة التي أخرج منها فوق السماء فإنه سبحانه قال : ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ (36) فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) ) [ البقرة : 34 – 37 ] فهذا إهباط آدم وحواء وإبليس من الجنة فلهذا أتى فيه بضمير الجميع . وقد قيل : إن الخطاب لهما و للحية وهذا ضعيف جداً إذ لا ذكر للحية في شيء من قصة آدم ولا في السياق ما يدل عليها .

     وقيل : الخطاب لآدم وحواء وأتى فيه بضمير الجمع كقوله : (  وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ )[ الأنبياء : 78 ] وهما داود وسليمان وقيل لآدم وحواء وذريتهما وهذه الأقوال ضعيفة غير الأول لأنها بين قول لا دليل عليه وبين ما يدل اللفظ على خلافه , فثبت أن إبليس داخل في هذا الخطاب وأنه من المهبطين .

     فإذا تقرر هذا فقد ذكر سبحانه الإهباط ثانياً بقوله : ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ) [ البقرة : 38 ] .

     والظاهر أن هذا الإهباط الثاني غير الأول وهو إهباط من السماء إلى الأرض والأول إهباط من الجنة , وحينئذ فتكون الجنة التي أهبط منها أولاً فوق السماء جنة الخلد .

     قد ظن الزمخشري أن قوله : (( اهبطوا منها جميعاً )) خطاب لآدم وحواء خاصة وعبر عنهما بالجمع لاستتباعهما ذرياتهما قال : والدليل عليه قوله تعالى : ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) [ طه : 123 ] قال : ويدل على ذلك قوله : ( فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) ) [ البقرة : 38 – 39 ] وما هو إلا حكم يعم الناس كلهم . ومعنى قوله : (( بعضكم لبعض عدوٌ )) ما عليه الناس من التعادي والتباغي وتضليل بعضهم بعضاً . وهذا الذي اختاره أضعف الأقوال في الآية فإن العداوة التي ذكرها الله تعالى إنما هي بين آدم وإبليس وذريتهما كما قال الله تعالى : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ) [ فاطر : 6 ]

وهو سبحانه قد أكد أمر العداوة بين الشيطان والإنسان وأعاد و أبدى ذكرها في القرآن لشدة الحاجة إلى التحرز من هذا العدو .

     وأما آدم وزوجته فإنه إنما أخبر في كتابه أنه خلقها ليسكن إليها و جعل بينهما مودةً ورحمةً , فالمودة و الرحمة بين الرجل وامرأته و العداوة بين الإنسان و الشيطان , وقد تقدم ذكر آدم وزوجه و إبليس وهم ثلاثة فلماذا يعود الضمير على بعض المذكور مع منافرته لطريق الكلام دون جميعه مع أن اللفظ و المعنى يقتضيه فلم يصنع الزمخشري شيئاً .

     و أما قوله تعالى في سورة طه : ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) وهذا خطاب لآدم و حواء وقد جعل بعضهم لبعض عدواً فالضمير في قوله : (( اهبطا منها )) إما أن يرجع إلى آدم وزوجته أو إلى آدم وإبليس ولم يذكر الزوجة لأنها تبع له , وعلى هذا فالعداوة المذكورة للمخاطبين بالإهباط وهما آدم وإبليس فالأمر ظاهر , وأما على الأول فتكون الآية قد اشتملت على أمرين :

أحدهما : أمره تعالى لآدم وزوجه بالهبوط .

و الثاني : إخباره بالعداوة بين آدم وزوجته وبين إبليس ولهذا أتى بضمير الجمع في الثاني دون الأول , ولا بد أن يكون إبليس داخلاً في حكم هذه العداوة قطعاً كما قال تعالى : ( إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ) [ طه : 117 ] وقال للذرية : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا  ) [ فاطر : 6 ] .

     وتأمل كيف اتفقت المواضع التي فيها ذكر العداوة على ضمير الجمع دون التثنية ؟

     وأما الإهباط فتارة يذكره بلفظ الجمع وتارة بلفظ التثنية وتارة بلفظ الإفراد فإهبط كقوله في سورة الأعراف : ( قَالَ فَاهْبِطْ ) [ الأعراف : 13 ] وكذلك في سورة ص~ , وهذا لإبليس وحده وحيث ورد بصيغة الجمع فهو لآدم وزوجه و إبليس إذا مدار القصة عليهم وحيث ورد بلفظ التثنية فإما أن يكون لآدم وزوجه إذ هما اللذان باشرا الأكل من الشجرة وأقدما على المعصية , وإما أن يكون لآدم وإبليس إذ هما أبوا الثقلين و أصلا الذرية فذكر حالهما ومآل أمرهما ليكون عظة وعبرة لأولادهما وقد حكيت القولين في ذلك , والذي يوضح أن الضمير في قوله : (( اهبطا منها جميعاً )) لآدم وإبليس أن الله سبحانه لما ذكر المعصية أفرد بها آدم دون زوجه فقال : ( وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ) [ طه :121 – 123 ] وهذا يدل على أن المخاطب بالإهباط هو آدم ومن زين له المعصية ودخلت الزوجة تبعاً فإن المقصود إخبار الله تعالى للمثقلين بما جرى على أبويهما من شؤم المعصية ومخالفة الأمر فذكر أبويهما أبلغ في حصول هذا المعنى من ذكر أبوي الأنس فقط وقد أخبر سبحانه عن الزوجة بأنها أكلت مع آدم وأخبر أنه أهبطه وأخرجه من الجنة بتلك الأكلة فعلم أن حكم الزوجة كذلك وأنها صارت إلى ما صار إليه آدم , وكان تجريد العناية إلى ذكر حال أبوي الثقلين أولى من تجريده إلى ذكر أبي الإنس وأمهم فتأمله.

     و بالجملة فقوله : ( اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) ظاهر في الجمع فلا يسوغ حمله على الاثنين في قوله : ( اهبطا ) من غير موجب .

     قالوا : وأيضاً فالجنة جاءت معرفة بلام التعريف في جميع المواضع كقوله : ( اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ) ونظائره ولا جنة يعهدها المخاطبون ويعرفونها إلا جنة الخلد التي وعد الرحمن عباده بالغيب فقد صار هذا الاسم علماً عليها بالغلبة كالمدينة و النجم و البيت والكتاب ونظائرها , فحيث ورد لفظها معرفاً انصرف إلى الجنة المعهودة المعلومة في قلوب المؤمنين , وأما إن أريد به جنة غيرها فإنها تجيء منكرة أو مقيدة بالإضافة , أو مقيدة من السياق بما يدل على أنها جنة في الأرض فالأول كقوله : ( جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ ) [ الكهف : 32 ] . والثاني كقوله : ( وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ ) [ الكهف : 39 ] . والثالث كقوله : ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ) [ القلم : 17 ] .

     قالوا : أو ما يدل على أن جنة آدم هي جنة المأوى ما روى هوذة بن خليفة عن عوف عن قسامة بن زهير عن أبي موسى الأشعري قال : (( إن الله تعالى لما أخرج آدم من الجنة زوده من ثمار الجنة وعلمه صنعة كل شيء فثماركم هذه من ثمار الجنة غير أن هذه تتغير وتلك لا تتغير )) .

     قالوا : وقد ضمن الله سبحانه وتعالى له إن تاب إليه وأناب أن يعيده إليها كما روى المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى : ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) [ البقرة : 37 ] قال : يا رب ألم تخلقني بيدك ؟ قال : بلى , قال : أي رب ألم تنفخ فيَّ من روحك ؟ قال : بلى , قال : أي رب ألم تسكني جنتك ؟ قال : بلى , قال : أي رب ألم تسبق رحمتك غضبك ؟ قال : بلى , قال : أرأيت أن تبت و أصلحت أراجعي أنت إلى الجنة ؟ قال : بلى , قال فهو قوله تعالى : ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) [ البقرة : 37 ] .

     وله طرق عن ابن عباس وفي بعضها : (( كان آدم قال لربه إذ عصاه رب إن أنا تبت وأصلحت فقال له ربه : إني راجعك إلى الجنة )) فهذا بعض ما احتج به القائلون بأنها جنة الخلد ونحن نسوق حجج الآخرين .

Advertisements

Comments on: "( 4 ) الباب الثالث : في سياق حجج من اختار أنها جنة الخلد التي يدخلها الناس يوم القيامة" (4)

  1. بورك الله فيك أخيتي

    حقاً أستمتعت في القراءة

    وتخيلت عظمة رحمة الله علينا

    شاكرة لك

    جعله الله في موازين حسناتك

  2. الحديث عن الجنة يطول و شيق
    سلمت يمينك و كل عام و أنت بأفضل حال

  3. أوطار الزمن
    ما أعظم الله … كل شيء يدلنا علي عظمته..
    الأجزاء التالية أكثر إمتاع
    تابعي القراءة لتجدي الفائدة ..
     

  4. المحبرة
    الحديث عن الجنة يجعلنا ندرك انها سلعة غالية
    ولعله يحفزنا للعمل لنيلها
    وهذا هدفي من إعادة نسخ هذا الكتاب في مدونتي.
    بوركتي أختي .. وكل عام وانت بخير

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: