سحابة …

 44

 

الباب الرابع

=======

في سياق حجج الطائفة التي قالت

ليست جنة الخلد وإنما هي في الأرض

     قالوا : هذا قول تكثر الدلائل الموجبة للقول به فنذكر بعضها . قالوا : قد أخبر الله سبحانه على لسان جميع رسله أن جنة الخلد إنما يكون الدخول إليها يوم القيامة , ولم يأت زمن دخولها بعد , وقد وصفها الله سبحانه وتعالى لنا في كتابه بصفاتها , ومحال أن يصف الله سبحانه وتعالى شيئاً بصفة ثم يكون ذلك الشيء بغير تلك الصفة التي وصفه بها .

     قالوا : فوجدنا الله تعالى وصف الجنة التي أعدت للمتقين بأنها دار المقامة , فمن دخلها أقام بها ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها ووصفها بأنها جنة الخلد وآدم لم يخلد فيها , ووصفها بأنها دار ثواب وجزاء لا دار تكليف وأمر ونهي , ووصفها بأنها دار سلامة مطلقة لا دار ابتلاء وامتحان وقد ابتلي آدم فيها بأعظم الابتلاء , ووصفها بأنها ليس دار خوف ولا حزن وقد حصل للأبوين فيها من الخوف والحزن ما حصل , وسماها دار السلام ولم يسلم فيها الأبوان من الفتنة , ودار القرار ولم يستقرا فيها .

    وقال في داخليها : ( وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ) [ الحجر : 48 ] وقد أخرج منها الأبوان , وقال : ( لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ ) [ الحجر : 48 ] وقد ند فيها آدم هارباً فاراً وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه , وأخبر أنه ( لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ ) [ الطور : 23 ] وقد سمع فيها آدم لغو إبليس وإثمه , وأخبر أنه لا يسمع فيها لغواً ولا كذاباً وقد سمع فيها آدم عليه السلام كذب إبليس , وقد سماها الله سبحانه وتعالى : ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ ) [ القمر : 55 ] وقد كذب فيها إبليس وحلف على كذبه , وقد قال تعالى للملائكة : ( إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) [ البقرة : 30 ] ولم يقل إني جاعل في جنة المأوى فقالت الملائكة : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) ؟ [ البقرة : 30 ] ومحال أن يكون هذا في جنة المأوى . وقد أخبر الله تعالى عن إبليس أنه قال لآدم ( هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَىٰ ) [ طه : 120 ] .

     فإن كان الله سبحانه وتعالى قد أسكن آدم جنة الخلد وهي دار القدس التي لا يسكنها إلا طاهر مقدس فكيف توصل إليها إبليس الرجس النجس المذموم المدحور حتى فتن فيها آدم عليه السلام ووسوس له , وهذه الوسوسة إما أن تكون في قلبه , وإما أن تكون في أذنه .

     وعلى التقديرين فكيف توصل اللعين إلى دخول ( دَارُ الْمُتَّقِينَ ) [ النحل : 30 ] وأيضاً فبعد أن قيل له : ( فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) [ الأعراف : 13 ] أيفسح له أن يرقى إلى جنة المأوى فوق السماء السابعة بعد السخط عليه و الأبعاد له والزجر و الطرد بعتوه واستكباره , وهل هذا يلائم قوله : ( فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا ) [  الأعراف : 13 ] . فإن كانت مخاطبته لآدم بما خاطبه به وقاسمه عليه ليست تكبراً فما التكبر بعد هذا ؟ فإن قلتم : فلعل وسوسته وصلت إلى الأبوين وهو في الأرض وهما فوق السماء في عليين فهذا غير معقول لغة ولا حساً ولا عرفاً , وإن زعمتم أنه دخل في بطن الحية حتى أوصل إليهما الوسوسة فأبطل وأبطل , إذ كيف يرتقي بعد الإهباط إلى أن يدخل الجنة ولو في بطن الحية , وإذا قلتم إنه دخل في قلوبهما و وسوس إليهما فالمحذور قائم , وأيضاً فإن الله سبحانه وتعالى حكى مخاطبته لهما كلاماً سمعاه شفاهاً ( وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ ) [ الأعراف : 20 ] وهذا دليل على مشاهدته لهما وللشجرة .

     ولما كان آدم خارجاً من الجنة وغير ساكن فيها قال الله تعالى له : ( أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) [ الأعراف : 22 ] ولم يقل عن هذه الشجرة , فعندما قال لهما ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة لما أطمعهما في ملكها والخلود في مقرها أتى باسم الإشارة بلفظ الحضور تقريباً وإحضاراً لهما عندهما وربهما تعالى قال لهما : ( أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ ) ؟ ولما أراد إخراجهما منها فأتى باسم الإشارة بلفظ البعد والغيبة كأنهما لم يبق لهما من الجنة حتى ولا مشاهدة الشجرة التي نهيا عنها . وأيضاً فإنه سبحانه قال : ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ) [ فاطر : 10 ] و وسوسة اللعين من أخبث الكلم فلا تصعد إلى محل القدس .

     قال منذر : وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (( أن آدم عليه السلام نام في جنته )) وجنة الخلد لا نوم فيها بالنص وإجماع المسلمين فإن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : (( أينام أهل الجنة في الجنة ؟ قال : لا , النوم أخو الموت والنوم وفاة )) . وقد نطق به القرآن والوفاة تقلب حال ودار السلام مسلمة من تقلب الأحوال والنائم ميت أو كالميت .

     قلت : الحديث الذي أشار إليه المعروف أنه موقوف من رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : (( خلقت حواء من قصيري آدم وهو نائم )) .

     وقال أسباط عن السدي : (( أسكن آدم عليه السلام الجنة وكان يمشي فيها وحشاً ليس له زوج يسكن إليها فنام نومة فاستيقظ فإذا عند رأسه امرأة قاعدة خلقها الله من ضلعه فسألها ما أنت ؟ قالت : امرأة . قال : ولم خلقت ؟ قالت : لتسكن إلي )) .

     وقال ابن إسحاق عن ابن عباس : (( ألقى الله على آدم عليه السلام السنة ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر و لأم مكانه لحماً وآدم نائم لم يهب من نومته حتى خلق الله من ضلعه تلك زوجته حواء فسواها امرأة يسكن إليها , فلما كشف عنه السنة و هب من نومته رآها إلى جنبه فقال : لحمي ودمي وروحي فسكن إليها )) .

     قالوا : ولا نزاع أن الله سبحانه وتعالى خلق آدم في الأرض ولم يذكر في موضع واحد أصلاً أنه نقله إلى السماء بعد ذلك , ولو كان قد نقله بعد ذلك إلى السماء لكان هذا أولى بالذكر لأنه من أعظم الآيات ومن أعظم النعم عليه فإنه كان معراجاً ببدنه وروحه من الأرض إلى فوق السموات . قالوا : وكيف ينقله سبحانه ويسكنه فوق السماء وقد أخبر ملائكته أنه جاعله في الأرض خليفة , وكيف يسكنه دار الخلد التي من دخلها خلد فيها ولا يخرج منها قال تعالى : (( وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ )) [ الحجر : 48 ] .

     قالوا : ولم يكن معنا في المسألة إلا أن الله سبحانه أهبط إبليس من السماء حين امتنع من السجود لآدم عليه السلام وهذا  أمر تكوين لا يمكن وقوع خلافه ثم أدخل آدم عليه السلام الجنة بعد هذا فإن الأمر بالسجود كان عقب خلقه من غير فصل , فلو كانت الجنة فوق السموات لم يكن لإبليس سبيلٌ إلى صعوده إليها وقد أهبط منها , وأما تلك التقادير التي قدرتموها فتكلفات ظاهرة كقول من قال يجوز أن يصعد إليها صعوداً عارضاً لا مستقراً , وقول من قال أدخلته الحية , وقول من قال دخل في أجوافها , وقول من قال يجوز أن تصل وسوسته إليهما وهو في الأرض وهما فوق السماء , ولا يخفي ما في ذلك من التعسف الشديد و التكلف البعيد , وهذا بخلاف قولنا فإنه سبحانه لما أهبطه من ملكوت السماء حيث لم يسجد لآدم عليه السلام أشرب عداوته فلما أسكنه جنته حسده عدوه وسعى بكيده وغروره في إخراجه منها والله أعلم .

    قالوا ومما يدل على أن جنة آدم لم تكن جنة الخلد التي وعد المتقون أن الله سبحانه لما خلقه أعلمه أن لعمره أجلاً ينتهي إليه و أنه لم يخلقه للبقاء كما روى الترمذي في جامعه من حديث أبي هريرة .

     قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( لما خلق الله آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح عطس فقال الحمد لله فحمد الله بإذنه فقال ربه : يرحمك الله يا آدم اذهب إلى أولئك الملائكة إلى ملأ منهم جلوس فقال السلام عليكم قالوا وعليك السلام الخ .  ثم رجع إلى ربه فقال : إن هذه تحيتك وتحية بنيك بينهم فقال الله له ويداه مقبوضتان أختر أيهما شئت , فقال اخترت يمين ربي وكلتا يديه يمين مباركة ثم بسطها فإذا فيها آدم وذريته فقال : يا رب ما هؤلاء ؟ قال : هؤلاء ذريتك فإذا كل إنسان مكتوب بين عينيه عمره فإذا فيهم رجل أضوؤهم قال : يا رب من هذا ؟ قال : هذا ابنك داود قد كتبت له عمراً أربعين سنة . قال : يا رب زده في عمره , قال : أنت وذلك , قال : ثم أسكن الجنة ما شاء الله ثم أهبط منها فكان آدم عليه السلام يعد لنفسه قال فأتاه ملك الموت فقال له آدم : قد عجلت قد كتبت لي ألف سنة . قال : بلى ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة , فجحد فجحدت ذريته . ونسي فنسيت ذريته , قال : فمن يومئذ أمر بالكتاب والشهود )) قال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه .

     وقد روي من غير وده عن أبي هريرة قالوا : فهذا صريح في أن آدم عليه السلام لم يخلق في دار البقاء التي لا يموت من دخلها وإنما خلق في دار الفناء التي جعل الله تعالى لها ولسكانها أجلاً معلوماً وفيها أسكن .

     فإن قيل : فإذا كان آدم عليه السلام قد علم أن له عمراً مقدراً و أجلاً ينتهي إليه وأنه ليس من الخالدين , فكيف لم يعلم كذب إبليس في قوله : ( هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) [ طه : 120 ] وقوله : ( أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِين )  [ الأعراف : 20 ] فالجواب من وجهين :

أحدهما : أن الخلد لا يستلزم الدوام و البقاء بل هو المكث الطويل كما سيأتي .

الثاني : أن إبليس لما حلف له وغره وأطعمه في الخلود نسي ما قدر له من عمره .

    وقالوا : وأيضاً فمن المعلوم الذي لا ينازع فيه مسلم أن الله سبحانه خلق آدم عليه السلام من تربة هذه الأرض و أخبر أنه خلقه من ( سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ) [ المؤمنون : 12 ] و أنه خلقه من ( صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ) [ الحجر : 26 ] فقيل هو الذي له صلصلة ليبسه وقيل هو الذي تغيرت رائحته من قولهم صل اللحم إذا تغير , و الحمأ الطين الأسود المتغير و المسنون المصبوب , وهذه كلها أطوار للتراب الذي هو مبدؤه الأول كما أخبر عن أطوار خلق الذرية من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة ولم يخبر سبحانه وتعالى أنه رفعه من الأرض إلى فوق السموات لا قبل التخليق ولا بعده فأين الدليل الدال على إصعاد مادته أو إصعاده هو بعد خلقه , وهذا ما لا دليل لكم عليه ولا هو لازم من لوازم ما أخبر الله به .

     قالوا : ومن المعلوم أن ما فوق السموات ليس بمكان للطين الأرضي المتغير الرائحة الذي قد أنتن من تغيره و إنما محل هذه الأرض التي هي محل المتغيرات الفاسدات , وأما ما فوق الأفلاك فلا يلحقه تغير ولا نتن ولا فساد ولا استحالة فهذا أمر لا يرتاب فيه العقلاء .

     قالوا : وقد قال الله تعالى : ( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ۖ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) [ هود : 108 ] فأخبر سبحانه أن عطاء جنة الخلد غير مجذوذ . قالوا : فإذا جمع ما أخبر به سبحانه من أنه خلقه من الأرض وجعله خليفة في الأرض وأن إبليس وسوس إليه في مكانه الذي أسكنه فيه بعد أن أهبطه من السماء بامتناعه من السجود له و أنه أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة و أن دار الخلد دار جزاء وثواب على الامتحان و التكاليف و أنه لا لغو فيها ولا تأثيم ولا كذب وأن من دخلها لا يخرج منها ولا ييأس ولا يحزن ولا يخاف ولا ينام وأن الله حرمها على الكافرين , وإبليس رأس الكفر , فإذا جمع ذلك بعضه إلى بعض وفكر فيه المنصف الذي رفع له علم الدليل فشمر إليه وربأ بنفسه عن حضيض التقليد تبين له الصواب و الله الموفق .

     قالوا : و لو لم يكن في المسألة إلا أن الجنة ليست دار تكليف وقد كلف الله سبحانه الأبوين بنهيهما عن الأكل من الشجرة فدل على أنها دار تكليف لا جزاء وخلد . فهذا أيضاً بعض ما احتجت به هذه الفرقة على قولها والله أعلم .

Advertisements

Comments on: "( 5 ) الباب الرابع : في سياق حجج الطائفة التي قالت ليست جنة الخلد وإنما هي في الأرض" (2)

  1. شاكرة لك يا أخيه

    لي عودة بإكمال القراءة بإذن الله

    • أسأل الله أن ينفع به وينفعك بما تقرأين
      مرورك عطر
      فلا تحرمي سحابتي استنشاقه كل حين .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: