سحابة …

 

الباب الخامس

=========

في جواب أرباب

هذا القول لأصحاب القول الأول

 

     قالوا : أما قولكم أن قولنا هو الذي فطر الله عليه عباده بحيث لا يعرفون سواه فالمسألة سمعية لا تعرف إلا بإخبار الرسل ونحن وأنتم أنما تلقينا هذا من القرآن لا من المعقول ولا من الفطرة فالمتبع فيه ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ونحن نطالبكم بصاحب واحد أو تابع أو أثر صحيح أو  حسن بأنها جنة الخلد التي أعدها الله للمؤمنين بعينها ولن تجدوا إلى ذلك سبيلاً وقد أوجدناكم من كلام السلف ما يدل على خلافه , ولكن لما وردت الجنة مطلقة في هذه القصة ووافقت اسم الجنة التي أعدها الله لعباده في إطلاقها و بعض أوصافها فذهب كثير من الأوهام إلى أنها هي بعينها , فإن أردتم بالفطرة هذا القدر لم يفدكم شيئاً , وإن اردتم أن الله فطر الخلق على ذلك كما فطرهم على حسن العدل وقبح الظلم وغير ذلك من الأمور الفطرية فدعوى باطلة , ونحن إذا رجعنا إلى فطرنا لم نجد علمها بذلك كعلمها بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات .

     و أما استدلالكم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه وقول آدم و (( هل أخرجكم منها إلا خطيئة أبيكم )) فإنما يدل على تأخر آدم عليه السلام عن الاستقباح للخطيئة التي قد تقدمت منه في دار الدنيا وأنه بسبب تلك الخطيئة حصل له الخروج من الجنة كما في اللفظ الآخر أني نهيت عن أكل الشجرة فأكلت منها فأين في هذا ما يدل على أنها جنة المأوى بمطابقة أو تضمن أو استلزام .

     وكذلك قول موسى له (( أخرجتنا ونفسك من الجنة )) فإنه لم يقل له أخرجتنا من جنة الخلد , وقولكم إنهم خرجوا إلى بساتين من جنس الجنة التي في الأرض فإسم الجنة وإن أطلق على تلك البساتين فبينها وبين جنة آدم ما لا يعلمه إلا الله وهي كالسجن بالنسبة إليها , واشتراكهما في كونهما في الأرض لا ينفي تفاوتهما أعظم تفاوت في جميع الأشياء .

     و أما استدلالكم بقوله تعالى : ( وَقُلْنَا اهْبِطُوا ) عقيب إخراجهم من الجنة فلفظ الهبوط لا يستلزم النزول من السماء إلى الأرض غايته أن يدل على النزول من مكان عالٍ إلى أسفل منه وهذا غير منكر فإنها كانت جنة في أعلى الأرض فأهبطوا منها إلى الأرض وقد بينا أن الأمر كان لآدم عليه السلام وزوجه وعدوهما فلو كانت الجة في السماء لما كان عدوهما متمكناً منها بعد إهباطه الأول لما أبى السجود لآدم عليه السلام , فالآية أيضاً من أظهر الحجج عليكم ولا تغني عنكم وجوه التعسفات والتكلفات التي قدرتموها وقد تقدمت .

     و أما قوله تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ) [ البقرة : 36 ] فهذا لا يدل على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في الأرض فإن الأرض اسم جنس وكانوا في أعلاها و أطيبها و أفضلها في محل لا يدركهم فيه جوع ولا عري ولا ظمأ ولا ضحى فأهبطوا إلى أرض يعرض فيها ذلك كله وفيها حياتهم وموتهم وخروجهم من القبور , والجنة التي أسكناها لم تكن دار نصب ولا تعب ولا أدى و الأرض التي أهبطوا إليها هي محل التعب والنصب و الأذى و أنواع المكاره . و أما قولكم إنه سبحانه وتعالى وصفها بصفات لا تكون في الدنيا , فجوابه أن تلك الصفات لا تكون في الأرض التي أهبطوا إليها فمن أين لكم أنها لا تكون في الأرض التي أهبطوا منها ؟ وأما قولكم أن آدم عليه السلام كان يعلم أن الدنيا منقضية فانية فلو كانت الجنة فيها لعلم كذب إبليس في قوله : ( هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ ) [ طه : 120 ] فجوابه من وجهين :

     أحدهما : أن اللفظ إنما يدل على الخلد وهو أعم من الدوام الذي لا انقطاع له فإنه في اللغة المكث الطويل ومكث كل شيء بحسبه , ومنه قولهم رجل مخلد إذا أسن وكبر , ومنه قولهم لأثافي الصخور خوالد لطول بقائها بعد دروس الأطلال قال :

إلا رمـــــاداً هـــامــداً دفـــعــــت

   عـــنـــه الـــريــــاح خوالــــدٌ سحــــم

ونظير هذا إطلاقهم القديم على ما تقادم عهده و إن كان له أول كما قال تعالى : ( كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ ) [ يس : 39 ] و ( إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ ) [ يوسف : 90 ] و ( إِفْكٌ قَدِيمٌ ) [ الأحقاف : 11 ] وقد أطلق تعالى الخلود في النار على عذاب بعض العصاة كقاتل النفس , و أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم على قاتل نفسه .

     الوجه الثاني : أن العلم بانقطاع الدنيا ومجيء الآخرة إنما يعلم بالوحي ولم يتقدم لآدم عليه الصلاة والسلام نبوة يعلم بها ذلك , وهو و إن نبأه الله سبحانه وتعالى وأوحى إليه وأنزل عليه صحفاً كما في حديث أبي ذر لكن هذا بعد إهباطه إلى الأرض بنص القرآن .

     قال تعالى : ( قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ ) [ طه : 123 ] وكذلك في سورة البقرة : ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ) [ البقرة : 38 ] .

     و أما قولكم أن الجنة وردت معرفة باللام التي للعهد فتنصرف إلى جنة الخلد فقد وردت معرفة باللام غير مرتد بها جنة الخلد قطعاً كقوله تعالى : ( إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ) [ القلم : 17 ] وقولكم أن السياق هنا هنا دل على أنها جنة في الأرض قلنا : والأدلة التي ذكرناها دلت على أن جنة آدم عليه السلام في الأرض فلذلك صرنا إلى موجبها إذ لا يجوز تعطيل دلالة الدليل الصحيح .

     و أما استدلالكم بأثر أبي موسى (( أن الله أخرج آدم عليه السلام من الجنة وزوده من ثمارها )) فليس فيه زيادة على ما ل عليه القرآن إلا تزوده منها وهذا لا يقتضي أن تكون جنة الخلد . وقولكم أن هذه تتغير وتلك لا تتغير فمن أين لكم أن الجنة التي أسكنها آدم كان التغيير يعرض لثمارها كما يعرض لهذه الثمار وقد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( لو لا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم )) أي لم يتغير ولم ينتن وقد أبقى الله سبحانه وتعالى في هذا العالم طعام العزير وشرابه مائة سنة لم يتغير .

     و أما قولكم أن الله سبحانه وتعالى ضمن لآدم عليه السلام إن تاب أن يعيده إلى الجنة فلا ريب أن الأمر كذلك ولكن ليس يعلم أن الضمان إنما يتناول  عوده إلى تلك الجنة بعينها بل إذا أعاده إلى جنة الخلد فقد وفى سبحانه بضمانه حق الوفاء , ولفظ العود لا يستلزم الرجوع إلى عين الحالة الأولى ولا زمانها ولا مكانها بل ولا إلى نظيرها كما قال شعيب لقومه ( قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا ۚ وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ) [ الأعراف : 89 ]  وقد جعل الله سبحانه المظاهر عائداً بإرادته الوطء ثانياً أو بنفس الوطء أو بالإمساك وكل منها غير الأول لا عينه فهذا ما أجابت به هذه الطائفة لمن نازعها .

Advertisements

Comments on: "( 6 ) الباب الخامس : في جواب أرباب هذا القول لأصحاب القول الأول" (4)

  1. سبحان الله ماقيد علم بكتابة إلا ثبت ..
    والقراءة بطريقتكِ أثرها عظيم
    أسأل الله ان يرزقنا وإياكِ الجنة
    وان يبارك فيما قدمتي

    • عقد الجمان …
      كثيرا نكتب … فأي الحروف يثقل في الموازين .
      مرورك عاطر .. لا تجعليني أفقده .
      🙂

  2. السلام عليكم ورحمة الله
    موضوع قيم ومعلومات وافية
    بارك الله فيك
    وتحية لاسمك
    فلغيم سحابة لدي معزة خاصة

    • عليكم السلام ورحمة الله وبركاته

      الحلم والسحابة … أطياف تجتمع كثيراً
      سعدت بكلماتك
      فكوني قريبة دائماً ..

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: