سحابة …

 

9

     قال الله تعالى : ( وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) الزمر : 73 وقال في صفة النار ( حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ) الزمر : 71 بغير (( واو )) فقالت طائفة : هذه واو الثمانية دخلت في أبواب الجنة لكونها ثمانية , وأبواب النار سبعة فلم تدخلها واو , وهذا قول ضعيف لا دليل عليه ولا تعرفه العرب ولا أئمة العربية وإنما هو من استنباط بعض المتأخرين . وقالت طائفة أخرى : الواو زائدة والجواب الفعل الذي بعدها كما هو في الآية الثانية , وهذا أيضا ضعيف فإن زيادة الواو غير معروف في كلامهم ولا يليق بأفصح الكلام أن يكون فيه حرف زائد لغير معنى ولا فائدة . وقالت طائفة ثالثة : الجواب محذوف وقوله : (( وفتحت أبوابها عطف على قوله : (( جاؤوها )) وهذا اختيار أبي عبيدة والمبرد والزجاج وغيرهم . قال المبرد : وحذف الجواب أبلغ عند أهل العلم . قال أبو الفتح بن جني : أصحابنا يدفعون زيادة الواو ولا يجيزونه ويرون أن الجواب محذوف للعلم به .

     بقي أن يقال : فما السر في حذف الجواب في آية أهل الجنة وذكره في آية أهل النار؟ فيقال : هذا أبلغ في الموضعين فإن الملائكة تسوق أهل النار إليها وأبوابها مغلقة حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم فيفاجئهم العذاب بغتة , فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها مغلقة حتى إذا وصلوا إليها فتحت في وجوههم فيفاجئهم العذاب بغتة , فحين انتهوا إليها فتحت أبوابها بلا مهلة فإن هذا شأن الجزاء المرتب على الشرط أن يكون عقيبة فإنها دار الإهانة والخزي فلم يستأذن لهم في دخولها ويطلب إلى خزنتها أن يمكنوهم من الدخول , وأما الجنة فإنها دار الله ودار كرامته ومحل خواصه وأوليائه , فإذا انتهوا إليها صادفوا أبوابها مغلقة فيرغبون إلى صاحبها ومالكها أن يفتحها لهم ويستشفعون إليه بأولي العزم من رسله وكلهم يتأخر عن ذلك حتى تقع الدلالة على خاتمهم وسيدهم وأفضلهم فيقول أنا لها , فيأتي إلى تحت العرش ويخر ساجداً لربه فيدعه ما شاء أن يدعه ثم يأذن له في رفع رأسه وأن يسأل حاجته فيشفع إليه سبحانه في فتح أبوابها فيشفعه ويفتحها تعظيماً لخطرها , وإظهاراً لمنزلة رسوله وكرامته عليه , وإن مثل هذا الدار التي هي دارُ ملك الملوك ورب العالمين إنما يدخل إليها بعد تلك الأهوال العظيمة التي أولها من حين عقل العبد في هذه الدار إلى أن انتهى إليها , و ما ركبه من الأطباق طبقاْ  بعد طبق وقاساه من الشدائد شدة بعد شدة حتى أذن الله تعالى لخاتم أنبيائه ورسوله وأحب خلقه إليه أن يشفع إليه في فتحها لهم , وهذا أبلغ وأعظم في تمام النعمة وحصول الفرح والسرور مما يقدر بخلاف ذلك لئلا يتوهم الجاهل أنها بمنزلة الخان الذي يدخله من شاء , فجنة الله عالية غالية بين الناس , وبينها من العقبات والمفاوز والأخطار ما لا تنال إلا به , فما لمن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ولهذه الدار ؟ فليبعد عنها إلى ما هو أولى به , وقد خلق له وهيئ له .

     وتأمل ما في سوق الفريقين إلى الدارين زمراً من فرحة هؤلاء بإخوانهم وسيرهم معهم كل زمرة على حدة , مشتركين في عمل متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم مستبشرين أقوياء القلوب كما كانوا في الدنيا وقت اجتماعهم على خير , كذلك يؤنس بعضهم بعضاً ويفرح بعضهم ببعض , وكذلك اصحاب الدار الأخرى يساقون إليها زمراً يلعن بعضهم بعضاً ويتأذى بعضهم ببعض وذلك أبلغ في الخزي والفضيحة و الهتيكة من أن يساقوا واحداً فلا تهمل تدبر قوله : ( زُمَرًا ) . وقال خزنة أهل الجنة لأهلها ( سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ) فبدأوهم بالسلام المتضمن للسلامة من كل شر ومكروه أي سلمتهم فلا يلحقكم بعد اليوم ما تكرهون , ثم قالوا لهم : ( طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ) الزمر : 73 , أي سلامتكم ودخولها بطيبكم فإن الله حرمها إلا على الطيبين , فبشروهم بالسلامة والطيب والدخول والخلود .

     وأما أهل النار فإنهم لما انتهوا إليها على تلك الحال من الهم والغم والحزن وفتحت لهم أبوابها وقفوا عليها وزيدوا على ما هم عليه توبيخ خزنتها وتبكيتهم لهم بقولهم : ( أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ) الزمر : 71 فاعترفوا وقالوا : (( بلى )) فبشروهم بدخولها و الخلود فيها وأنها بئس المثوى لهم . وتأمل قول خزنة الجنة لأهلها (( ادخلوها )) وقول خزنة النار لأهلها (( ادخلوا أبواب جهنم )) , تجد تحته سراُ لطفاً ومعنى بديعاً لا يخفى على المتأمل وهو أنها لما كانت دار العقوبة وأبوابها أفظع شيء و أشده حراً وأعظمه غماً يستقبل فيها الداخل من العذاب ما هو أشد منها ويدنو من الغم و الخزي والحزن والكرب بدخول الأبواب فقيل ادخلوا أبوابها صغاراً لهم وإذلالاً وخزياً , ثم قيل لهم لا يقتصر بكم على مجرد دخول الأبواب الفظيعة ولكن وراءها الخلود في النار , و أما الجنة فهي دار الكرامة والمنزل الذي أعده الله لأوليائه فبشروا من أول وهلة بالدخول إلى المقاعد و المنازل والخلود فيها . وتأمل قوله سبحانه : ( جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ . مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ ) ص~ : 50 , 51 كيف تجد تحته معنى بديعاً وهو أنهم إذا دخلوا الجنة لم تغلق أبوابها عليهم بل تبقى مفتحة كما هي , وأما النار فإذا دخلها أهلها أغلقت عليهم أبوابها كما قال تعالى : ( إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ ) الهمزة : 8 أي مطبقة مغلقة ومنه سمي الباب وصيداً وهي ( مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ) الهمزة : 8 , 9 قد جعلت العمد ممسكة للأبواب من خلفها كالحجر العظيم الذي يجعل خلف الباب . قال مقاتل : يعني أبوابها عليهم مطبقة فلا يفتح لها باب ولا يخرج منها غم ولا يدخل فيها روح آخر الأبد.

     وأيضاً فإن في تفتيح الأبواب لهم إشارة إلى تصرفهم وذهابهم وإيابهم وتبوئهم في الجنة حيث شاؤوا ودخول الملائكة عليهم كل وقت بالتحف و الألطاف من ربهم ودخول ما يسرهم عليهم كل وقت , وأيضاً إشارة إلى أنها دار أمن لا يحتاجون فيها إلة غلق الأبواب كما كانوا يحتاجون إلة ذلك في الدنيا . وقد اختلف أهل العربية في الضمير العائد من الصفة على الموصوف في هذه الجملة ; فقال الكوفيون : التقدير مفتحة لهم أبوابها و العرب تعاقب بين الألف واللام والإضافة فيقولون مررت برجل حسن العين أي عينه ومنه قوله تعالى : ( فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ) النازعات : 39 أي مأواه .

     وقال بعض البصريين : التقدير مفتحة لهم الأبواب منها فحذف الضمير وما اتصل به قال : وهذا التقدير في العربية أجود من أن يجعل الألف و اللام بدلاً من الهاء والألف لأن معنى الألف واللام ليس من معنى الهاء والألف في شيء لأن الهاء والألف اسم و الألف واللام دخلتا للتعريف ولا يبدل حرف من اسم ولا ينوب عنه . قالوا : وأيضاً لو كانت الألف واللام بدلاً من الضمير لوجب أن يكون في (( مفتحة )) ضمير الجنات ويكون المعنى مفتحة هي ثم أبدل منها الأبواب , ولو كانت لوجب نصب (( الأبواب )) لكون (( مفتحة )) قد رفع ضمير الفاعل فلا يجوز أن يرفع به اسم آخر لامتناع ارتفاع فاعلين بفعل واحد , فلما ارتفع الأبواب دل على أن (( مفتحة )) خالٍ من ضمير و (( الأبواب )) مرتفعة به , وإذا كان في الصفة ضمير تعين نصب الثاني كما تقول (( مررت برجل حسن الوجه )) ولو رفعت الوجه ونونت حسناً لم يجز .

     فالألف واللام إذاً للتعريف ليس إلا , فلا بد من ضمير يعود على الموصوف الذي هو ((  جنات عدن )) ولا ضمير في اللفظ فهو محذوف تقديره (( الأبواب منها )) .

     وعندي أن هذا غير مبطل لقول الكوفيين فإنهم لم يريدوا بالبدل إلا أن الألف واللام خلف وعوض عن الضمير تغني عنه , وإجماع العرب على قولهم (( حسن الوجه )) و (( حسن وجهه ))  شاهد بذلك وقد قالوا : إن التنوين بدل من الألف واللام بمعنى أنهما لا يجتمعان وكذلك المضاف إليه يكون بدلاً من التنوين و التنوين بدلٌ من الإضافة بمعنى التعاقب والتوارد ولا يريدون بقولهم هذا بدل من هذا أن معنى البدل معنى المبدل منه بل قد يكون في كل منهما معنى لا يكون في الآخرة ; فالكوفيون أرادوا أن الألف واللام في (( الأبواب )) أغنت في الضمير لو قيل (( أبوابها )) وهذا صحيح , فإن المقصود الربط بين الصفة والموصوف بأمر يجعلها له لا مستقلة , فلما كان الضمير عائداً على الموصوف نفى توهم الاستقلال , وكذلك لام التعريف فإن كلاً من الضمير واللام يعين صاحبه هذا بعين مفسره وهذا يعين ما دخل عليه وقد قالوا في (( زيد نعم الرجل )) : إن الألف واللام أغنت عن الضمير والله أعلم . وقد أعرب الزمخشري هذه الآية إعراباً اعترض عليه فيه فقال : (( جنات عدن )) معرفة كقوله : (

جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ ) مريم : 61 و انتصابها على أنها عطف بيان  (( لحسن مآب )) و (( مفتحة )) حال والعامل فيها ما في (( المتقين )) من معنى الفعل وفي (( مفتحة )) ضمير الجنات , و (( الأبواب )) بدل من الضمير تقديره مفتحة هي الأبواب كقولهم (( ضرب زيد اليد والرجل )) وهو من بدل الاشتمال . هذا إعرابه فاعترض عليه بأن (( جنات عدن )) ليس فيها ما يقتضي تعريفها , وأما قوله : (( التي وعد الرحمن عباده )) فبدل لا صفة و بأن (( جنات عدن )) لا يسهل أن تكون عطف بيان (( لحسن مآب )) على قوله لأن جريان المعرفة على النكرة عطف بيان لا قائل به فإن القائل قائلان أحدهما أنه لا يكون إلا في المعارف كقول البصريين . والثاني أنه يكون في المعارف والنكرات بشرط المطابقة كقول الكوفيين و أبي علي الفارسي . وقوله أن في (( مفتحة )) ضمير الجنات فالظاهر خلافه و أن (( الأبواب )) مرتفع به ولا ضمير فيه . وقوله أن الأبواب بدل اشتمال فبدل الاشتمال قد صرح هو وغيره أنه لا بد فيه من الضمير وإن نازعهم فيه آخرون , ولكن يجوز أن يكون الضمير ملفوظاً به وأن يكون مقدراً وهنا لم يلفظ به فلا بد من تقديره أي الأبواب منها فإذا كان التقدير مفتحة لهم هي الأبواب منها كان فيه تكثير للإضمار وتقليله أولى .

     وفي الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون )) رواه مسلم ( 818 ) .

     وفي الصحيحين من حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( من أنفق زوجين في شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب الجنة يا عبد الله هذا خير , فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة , ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد , ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة , ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان , فقال أبو بكر : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما عليّ من تلك الأبواب من ضرورة فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ؟ فقال : نعم وأرجو أن تكون منهم )) رواه مسلم / 712 .

     وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( ما منكم من أحد يتوضأ فيبالغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء )) رواه مسلم / 210 زاد الترمذي بعد التشهد (( اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين )) زاد أبو داود والإمام أحمد ثم رفع نظره إلى السماء فقال : وعند الإمام أحمد من رواية أنس يرفعه (( من توضأ فأحسن الوضوء ثم قال ثلاث مرات أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله فتح له أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل )) رواه مسلم 207 . وعن عتبة بن عبد الله السلمي قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (( ما من مسلم يتوفى له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء دخل )) حديث صحيح  رواه ابن ماجه وعبد الله بن أحمد عن ابن نمير ثنا إسحاق بن سليمان ثنا جرير بن عثمان عن شرحيل بن شفعة عن عتبة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: